صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
92
شرح أصول الكافي
والثالثة ان سرمديته ودوام وجوده ليس بحسب كمية زمانية فان الزمان بكميته العددية العارضة له وبهويته الاتصالية المقدارية من مجعولاته ومفطوراته ، فيمتنع ان يتكمّم بعدده بقاؤه أو يتقدر باتصاله دوامه تعالى ، بل هو ذاته أزلي باق لا بمرور الدهور ولا بكرور الأزمنة والشهور ، وهو محيط بالآزال والآباد ، نسبته إلى الأزل كنسبته إلى الأبد . والرابعة ان ليس له قبل لا قبلية بالزمان والمدة ، لان وجوده فوق الزمان ، ولا بالمكان والرتبة ، لان ذاته وراء المكان ، ولا قبلية بالذات والماهية ، إذ لا جزء لوجوده كالمادّة والصورة ولا مقوم لماهيته كالجنس والفصل ولا بالطبع والعلية ، إذ لا سبب لذاته بوجه لا ناقصا ولا تامّا ، بل هو مسبب الأسباب من غير سبب كما سنشير إليه . الخامسة انه قبل كل قبل بذاته لا بقبلية زائدة عليه ، لان ذاته بذاته مبدأ المبادي واوّل الأوائل . السادسة انه لا غاية لذاته ولا منتهى لوجوده ، لان وجوده وراء ما لا يتناهى مدة وعدة بما لا يتناهى شدة ، فانقطعت عنه الغاية وسلبت عنه النهاية من كل جهة . وتوضيح ذلك وتحقيقه : ان التناهي واللاتناهي وان كانا من العوارض التي تعرض للكم أو المتكمم أوّلا وبالذات ، الا انّهما مما يوصف بأحدهما غير الكميّات والمتكممات بواسطة ما يتعلق به ضربا من التعلق ، ولا جل ذلك يتصف بها اي بالنهاية واللا نهاية القوي والكيفيات بسبب ما يترتب عليها من الآثار والافعال ، فالقوة مما يوصف باللاتناهي في العدة ان كان عدد آثارها غير متناه ، وباللاتناهي في المدة ان كان زمان تأثيرها غير متناه ، وباللاتناهي في الشدة ان كان تأثيرها غير متناه . فإذا تقرر هذا فنقول : ان القوة القاهرة الإلهية منقطعة الغاية مسلوبة النهاية بحسب كلّ من هذه الوجوه ، لان الصّادر من قدرته والحاصل من مشيئته اعداد غير متناهية من النفوس ومبادى تحريكات في أزمنة غير متناهية من العقول ، فهو وراء ما لا يتناهى في العدة والمدة بما لا يتناهى في الشدة . السابعة ان وجوده غاية الغايات ونهاية الأشواق والإرادات ومنقطع الافعال والحركات . وشرح ذلك ممّا يطول وإليه الإشارة في قوله تعالى : « أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ » « 1 » ، وفي كثير من الآيات ؛ وسنعود إلى ذكر نبذ من مباحث الغاية في الحديث التالي .
--> ( 1 ) - الشورى 53 .